العلاقات المصرية مع أمريكا
|
مرت علاقة مصر بأمريكا في الفترة من 1952 و إلى 1967 بمنحنيات شديدة التعقيد صعوداً و هبوطاً، نتج عنها في نهاية تلك الخمسة عشر عاماً أن انحازت أمريكا كلية إلى إسرائيل ضد العرب و ضد مصر بالذات، و عملت على الإيقاع بجمال عبد الناصر كزعيم للأمة العربية وبنظامه في 1967 فيما سمته كودياً بعملية "اصطياد الديك الرومي". و رغم أن البدايات كانت مشجعة، إلا أن النهاية كانت و للأسف مفجعة. فبعد الحرب العالمية الثانية برزت الولايات المتحدة كزعيمة للمعسكر الغربي والمنقذة للعالم من النازية و الفاشية، ودانت لها بالزعامة الإمبراطوريات القديمة التي كانت ترزح تحت وطأة الخراب، فكانت تتلمس الإعانات من أمريكا التي انتعش اقتصادها بعد الحرب، و كانت أمريكا محبوبة في الشرق الأوسط لموقفها خلال الحرب و بياناتها عن حقوق الشعوب في تقرير مصيرها. ولكن في 1948 و ما أن أعلن اليهود عن قيام دولتهم إسرائيل حتى اعترفت بها أمريكا على الفور فبدأت تفقد شعبيتها في الشرق الأوسط، وكانت وجهة نظر الرئيس ترومان هو أن العرب -بعكس اليهود- ليس لهم أصوات انتخابية في أمريكا، و لكن ذلك لم يمنع عبد الناصر من محاولة إقامة جسر من الصداقة مع الأمريكان عقب قيام الثورة مباشرة. وفي بداية الثورة تم إبلاغ الموقف للسفارة الأمريكية عن طريق علي صبري، ولقد كان عبد الناصر – كما يقول – يراوده أملان: الاتفاق مع بريطانيا على الجلاء، وسياسة صداقة مع أمريكا فتم الأول دون الثاني. و تذهب بعض الدراسات إلى أن الرئيس الأمريكي "ترومان" لم يقف من حركة الجيش موقفاً حيادياً فحسب، بل أنه قد أوضح لإيدن أنه يساند الحركة وأن أمريكا لن تؤيد تدخلاً أجنبياً في مصر لإنقاذ الملكية. و كانت قد ثارت مناقشات في مجلس العلاقات الخارجية بنيويورك حول مصر، كان الرأي السائد فيها أنه أصلح طبقة للنهوض بمصر هي الطبقة الوسطى، فجاءت مساندة أمريكا لحركة الضباط الأحرار. وكانت للسفارة الأمريكية صلة ما بالحركة التي قادها عبد الناصر قبل قيامها بأشهر، وعند قيام الثورة أرسل عبد الناصر علي صبري قائد الأسراب للسفارة الأمريكية لطمأنتهم على عدم التعرض لمصالحهم ولأرواحهم، فلقد عمل الضباط الأحرار على تحييد الجانب الأمريكي للحيلولة دون وقوفه كعائق في وجه إنجاز أهداف التحرير. ومن ناحيتها رأت أمريكا أن الثورة فرصة ذهبية لإثبات أن المساعدات الاقتصادية التي يقدمها الغرب وليس وعود الشيوعيين الجوفاء هي الكفيلة بإنجاز عملية التنمية، ولكنها ربطت هذه المساعدات بإبرام النظام المصري سلاماً مع إسرائيل وانضمامه لنظام الدفاع عن الشرق الأوسط حيث كانت أبرز حجج الصهاينة في الولايات المتحدة أنه لا يتعين بأي حال من الأحوال تزويد النظام المصري بأسلحة مادامت قضية العلاقة مع إسرائيل لم تتم تسويتها، كما رغبت أمريكا في أن تنضم مصر و الدول العربية لحلف في الشرق الأوسط تجرى به مواجهة الاتحاد السوفييتي العدو الجديد للغرب أثناء الحرب الباردة. و لكن عبد الناصر كان يرفض مبدأ التحالف مع الغرب أو اتفاقيات الدفاع بأي شكل، لأنه سيكون نوعاً جديداً من الاستعمار، و بالتالي فقد خلق "حلف بغداد" شعوراً سيئاً لديه إزاء أمريكا، عندما أحس بمحاولاتها للتفرقة بين العرب من أجل السيطرة عليهم. و بدورها فقد رفضت أمريكا تزويد مصر بالسلاح في حين كانت تمد إسرائيل به، كما سحبت تمويلها للسد العالي، أما عبد الناصر فقد كان تقديره أن إسرائيل ستظل حائلاً أمام تحسين العلاقات مع أمريكا. بعد توليه وزارة الخارجية بأربعة أشهر، جاء دالاس إلى القاهرة بهدف ضم مصر لمنظمة الدفاع عن الشرق الأوسط MEDO و الموجهة ضد الاتحاد السوفييتي والشيوعية، و لكن عبد الناصر استطاع إقناعه بأنه إذا وافق على انضمام مصر لمثل هذا الحلف مع الغرب، بينما كان الجنود الإنجليز لا يزالون في منطقة القناة، فإن ذلك يعني أن عبد الناصر سوف يفقد مصداقيته كزعيم وطني، و لن تصبح صداقته مفيدة لأمريكا أو غيرها. و طلب عبد الناصر أن تزود أمريكا مصر بالسلاح، و لكن تشرشل بالمقابل طلب من أيزنهاور ألا يزود مصر بأسلحة يمكن أن تستخدم لقتل الجنود البريطانيين، الذين عملوا تحت إمرة أيزنهاور خلال الحرب العالمية الثانية. و في الواقع لم تحصل مصر على أي أسلحة أمريكية في تلك الفترة عدا مسدسين "كولت" عيار 38 مم، كان دالاس قد أهداهما لمحمد نجيب أثناء زيارة الأول للقاهرة. وجاء هجوم إسرائيل على غزة عام 1955 ليثبت لعبد الناصر أن الاستعداد لمواجهة إسرائيل أمر لا مفر منه فبرزت الحاجة إلى الحصول على أسلحة لتأمين حدود مصر، فكانت مفاوضاته مع الاتحاد السوفييتي الذي بدوره جعل تشيكوسلوفاكيا تقوم بدور المورد في هذه الصفقة. و في مايو 1955 و عندما كانت مصر على وشك أن تبرم هذه الصفقة مع تشيكوسلوفاكيا، كان عبد الناصر لا يزال يفضل الأسلحة الغربية، فأراد أن يعطي الأمريكيين فرصة أخيرة، فأبلغ أمريكا أن لديه عرضاً روسياً جدياً لتزويد مصر بما تحتاجه من أسلحة، ولكن دالاس ظن أن عبد الناصر يناور (!Bluffing)، و عندما بدأت أنباء مباحثات براج في الظهور على السطح، أسرعت أمريكا بإيفاد المبعوثين لإثناء مصر عن موقفها، و لكن الوقت كان قد فات، فقرر عبد الناصر الإعلان عن الصفقة قبل وصول أولئك المبعوثين. و لم ييأس الأمريكان فوعدوا بتزويد مصر بالسلاح في حالة قيام عبد الناصر بإلغاء صفقة الأسلحة "الشيوعية"، ولكن عبد الناصر لم يتزحزح عن موقفه. و عندما حدث خلاف بين عبد الناصر و خروشوف في 1958 حول الوحدة العربية و دور الشيوعيين في الدول العربية، رأى الأمريكيون في ذلك فرصة لتحسين العلاقات مع مصر، وبدءوا بعقد صفقات تزويد مصر بالقمح، و تمويل قروض صندوق التنمية، و حتى ذلك الوقت لم تكن إسرائيل تحصل على الكثير من المساعدات العسكرية الأمريكية. موقف أمريكا أثناء العدوان الثلاثي في 1956 : في الأسبوع الأول من يوليو 1956 زار أحمد حسين -سفير مصر في واشنطن- الرئيس جمال عبد الناصر في مصيفه ببرج العرب، ليقدم تقريره عن مفاوضات السد العالي مع الأمريكان، و أراد عبد الناصر أن يثبت لسفيره و لنفسه و للعالم، أن الأمريكان لن يساعدوا مصر في بناء السد، فقبل بجميع شروط دالاس، و لكن دالاس مع ذلك أعلن أن الولايات المتحدة قررت سحب عرضها، لأن "اقتصاد مصر لا يستطيع تحمل مثل هذا المشروع". وأحس عبد الناصر بالإهانة الشديدة، ليس بسبب سحب العرض، بل من اللهجة المهينة للبيان الأمريكي. و بعد يومين، قرر جمال عبد الناصر أن يقوم بتأميم قناة السويس. و من المفارقات أن أكثر الأطراف تضرراً من التأميم كانت بريطانيا و فرنسا، أما أمريكا، التي تسببت بصورة مباشرة في اتخاذ قرار التأميم، فقد أرغمت فيما بعد بريطانيا و فرنسا (المتضررتين) على الانسحاب و أجهضت بذلك العدوان الثلاثي، و كانت تلك بمثابة شهادة وفاة للإمبراطورية البريطانية، وشهادة ميلاد لزعامة ناصر على المستوى العربي والعالمي. و أدى الموقف الأمريكي لتحسن مؤقت في العلاقات بين مصر و أمريكا، و كان عبد الناصر يردد أن مصر لا يمكنها إلا أن تشعر بعرفان الجميل حيال الموقف الأمريكي الذي اتخذه أيزنهاور من أزمة السويس عام 1956، عندما وقفت أمريكا مع المبادئ بصرف النظر عن الصداقات. و لكن ذلك التحسن الطارئ لم يطل، فقد اعتبر عبد الناصر أن مشروع أيزنهاور يهدف لعزل مصر، و تحقيق أهداف العدوان الثلاثي بصورة سلمية، بل أن كيندي (قبل أن يصبح رئيساً لأمريكا) وصف المشروع أثناء مناقشات الكونجرس، بأنه أراد معاملة الشرق الأوسط كما لو كان مقاطعة أمريكية. و عندما زار نيكسون (الذي أصبح فيما بعد رئيساً للولايات المتحدة خلفاً لجونسون) مصر في 1963 حاملاً رسالة من كيندي الذي كان قد هزمه في انتخابات الرئاسة، رأى حجم العمل في السد العالي، و عندما قابل الرئيس عبد الناصر بعد ذلك قال له: "لقد رأيت اليوم أفدح خطأ ارتكبته أمريكا، فقد اعتصر الألم قلبي عندما رأيت السوفييت يعملون جنباً إلى جنب معكم فوق موقع السد العالي، و لولا دالاس لكان هناك أمريكيون بدلاً من السوفييت". و الواقع أن هذا يلخص الموقف بصورة مبسطة: فلولا دالاس، لتغيرت الكثير من الأشياء في الشرق الأوسط. كيندي جاء كيندي في فترة كانت العلاقات المصرية الأمريكية في هدوء بعد التحسن الذي طرأ عليها إثر الخلاف بين عبد الناصر و خروشوف، و كان الأمريكان قد تأكدوا أن عبد الناصر ضد انتشار الشيوعية في البلاد العربية. و في الواقع كان يمكن لعبد الناصر لو أراد أن يستثمر ذلك لمصلحة مصر، و لعله قد فعل. أعجب عبد الناصر بالرئيس الشاب الجديد، و تبادلا العديد من الرسائل المهذبة و التي تدل على مشاعر الاحترام المتبادل، و أرسلت مصر المئات من مبعوثيها للدراسة بالولايات المتحدة بدلاً من روسيا، كما كتب كيندي لعبد الناصر أن أمريكا مستعدة للمشاركة في إيجاد حل لمشكلة فلسطين بما فيها مشكلة اللاجئين، و لكن التحسن لم يدم. فقد تتابعت الأحداث الجسام التي اضطرت كلاً من الرجلين للانعطاف في طرق مختلفة. فجاءت أزمة الصواريخ الكوبية وأحداث الكونغو، لتلقي بظلال من الشكوك والريبة على العلاقات بين الرجلين. ثم قامت ثورة اليمن وأعلنت مصر دعمها لها، بينما أخذ الملك سعود في دعم النظام الملكي القديم، و لجأ عدد من الطيارين السعوديين للقاهرة بطائراتهم أمريكية الصنع، و كانت حمولة تلك الطائرات لا تزال في صناديق المعونة الأمريكية. و اعترفت أمريكا بحكومة الثورة، وبينما كان كيندي يحث عبد الناصر على الانسحاب من اليمن، كان عبد الناصر يرفض على أساس أن السعوديين يواصلون دعمهم للملكيين. و أحس عبد الناصر أن الولايات المتحدة تخدعه و تتبع سياسة مزدوجة، فبينما تنادي بالسلام و تطلب من مصر الانسحاب، كانت تبعث بالجنود المرتزقة الذين جرى نقلهم من الكونجو، بل و أخذ يشعر أن أمريكا تهدف لأن يستمر التورط المصري في اليمن لمصلحة إسرائيل. و لعل مبعث الريبة و سوء الفهم هو أن عبد الناصر لم يدرك بصورة كاملة مدى التعقيد الملازم لطبيعة السياسة الأمريكية، فهناك العديد من مؤسسات صناعة القرار التي قد تتشابك أو تتعارض أهدافها، و هناك الحلفاء و الأصدقاء الذين يتحتم محاولة إرضائهم، و هناك جماعات الضغط التي قد تنحاز لجهات مختلفة، وهناك الشركات العملاقة ذات المصالح المتشابكة، وهناك الإعلام بقنواته المتصارعة على معدلات المتابعة، و هناك الرأي العام بكل أطراف صنعه و قياسه و التعبير عنه. و خلافاً لما يحدث في دول العالم الثالث، حيث لا يسمع سوى رأي واحد، و حيث تبدو المصالح جميعاً كما لو كانت متطابقة، فإنه لا يمكن أن نطلق عبارات مثل "السياسة الأمريكية" أو "الرأي الأمريكي"، لأن بأمريكا العديد من السياسات و الآراء. فتصبح السياسات الأمريكية مثل الأدوية المختلفة المفعول والتي يستخدمها الطبيب الذي يعالج مريضاً بأكثر من علة، فقد تتعارض آثارها الأصلية و الجانبية. و عندما تم اغتيال كيندي كان حزن عبد الناصر واضحاً، بينما عرض التليفزيون المصري (الخاضع للإشراف الحكومي) فيلم جنازة كيندي عدة مرات و كان تأثر الشعب المصري صادقاً في الحزن علي الرئيس الشاب، و لا يعرف أحد ماذا كان يمكن أن يحدث (أو لا يحدث) لو لم يمت كيندي في ذلك الوقت، فمهما كانت ريبة عبد الناصر في سياسات أمريكا خلال حكم كيندي، فقد ظلت العلاقة بين الرجلين يحكمها الاحترام و التقدير المتبادل. جونسون لعل انهيار العلاقة بين عبد الناصر و جونسون كان من أهم أسباب نكسة 1967، و يقول الأستاذ هيكل أن "عبد الناصر كان يحس بنفور طبيعي تجاه ليندون جونسون .. و في النهاية ثبت أن عبد الناصر كان على صواب في كراهيته ونفوره الطبيعي من جونسون." و لكن هناك سيناريو آخر: فلولا هذا النفور الطبيعي لاستطاع عبد الناصر أن يقيم علاقات طيبة (أو على الأقل طبيعية) مع جونسون، و لما حدث من جونسون ما يجعله جديراً بتلك الكراهية" Self-fulfilling prophecy "!جاء جونسون بعد كيندي "فاستحق" تلك الكراهية من الكثيرين، أما بالنسبة لمصر فقد كانت هناك العديد من المشاكل التي ازدادت تعقيداً مثل مشكلة اليمن و الكونجو و مفاوضات القمح. وبدأت الأحداث المثيرة للعداء تتوالى، فكان إحراق المكتبة الأمريكية يوم عيد الشكر الأمريكي على يد الطلبة الكونجوليين في القاهرة، ثم أسقطت مصر طائرة مدنية، كان يملكها صديق شخصي لجونسون، و كانت في رحلة من ليبيا للأردن وتعطل جهازها اللاسلكي فلم تستجب لإنذارات طائرة ميج مصرية أرسلت لاعتراضها. ونقل لعبد الناصر أن أمريكا لا تستطيع أن تمد مصر بالقمح وأن باتل علل ذلك قائلاً: "لأننا لا نستسيغ سلوككم"، فكانت قصة أن يشرب الأمريكان من البحر و أنه "إذا لم يكفهم البحر الأبيض لإرواء غليلهم فليشربوا البحر الأحمر ... و لسنا مستعدين لمناقشة سلوكنا مع أحد أياً كان، وسنقطع لسان من يتقول علينا ... لن نقبل أسلوب قطع الطريق من قبل رعاة البقر." و كانت تلك العبارة إشارة بأن القول موجه لجونسون الذي كان من ولاية تكساس المشهورة برعاة البقر. و أحس جونسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أنه أهين شخصياً و في خطاب علني، و ربما كان هذا من الأسباب المباشرة في نصب فخ للإيقاع بعبد الناصر ومحاولة هدم نظامه في 1967، فيما عرف فيما بعد كودياً بخطة اصطياد الديك الرومي. وبدأت أمريكا تزود إسرائيل بالأسلحة المتقدمة، و قامت بخفض أمد اتفاق تزويد مصر بشحنات القمح من سنة لستة أشهر لثلاثة أشهر. ورفض عبد الناصر أن يزور جونسون في 1966 ووافق في النهاية أن يبعث بأنور السادات ليقابل جونسون في محاولة لتحسين العلاقات المتدهورة بين البلدين، و كان جونسون ودوداً وقال للسادات أنه يحب مصر و يحب عبد الناصر، و أن ما يحتاجه الطرفان هو الدبلوماسية الهادئة و التوقف عن الهجوم العلني والتجريح الشخصي، واحتواء الخلافات بهدوء. ولكن عبد الناصر كان يرى أنه بينما تمتلك أمريكا القنابل الذرية و حاملات الطائرات و القوة العسكرية، فإن سلاحه الأول كان يكمن في قدرته على تعبئة الجماهير خلفه معنوياً في أوقات الأزمات، فلم تكن الدبلوماسية الهادئة تناسبه، وفي الواقع فإن عبد الناصر لم يستطع في بعض الأحيان أن يتخطى مرحلة القائد الشاب الثائر الذي يلهب حماس الجماهير، ليصبح الرجل السياسي الدبلوماسي المجامل والمداهن، فلم يكن ذلك من طبعه. وأثناء زيارة السادات لواشنطن طلب جونسون الحصول على صورة لعبد الناصر ليضعها في مكتبه البيضاوي بالبيت الأبيض، وأرسل بدوره صورة زيتية لعبد الناصر مشفوعة بعبارة رقيقة مذيلة بتوقيعه تقول: "أرجو أن أقنعك يوماً أن نصبح أصدقاء." و لكن عبد الناصر أحس بأن الموضوع تمثيلية لتضليله بالكلمات التي تتناقض مع السياسات فرفض رد المجاملة. ويبدو أن جونسون مع ذلك لم ييأس من المحاولة، فعاود الكرة عندما زارت السيدة منى عبد الناصر أمريكا مع زوجها، فاستضافهما آل جونسون بالبيت الأبيض بحفاوة شخصية و دعاهما جونسون لمزرعته و حمل جونسون لمنى رسالة أخرى بأنه يريد أن يصبح صديقاً لوالدها، ولكن عبد الناصر لم يستطع أن يستجيب لتلك المحاولات، أو أن يفهم التناقضات الأمريكية بين الأقوال والأفعال، و ربما لم يستطع عبد الناصر أن يتغلب على نفوره المبدئي من جونسون، "راعي البقر" القادم من تكساس. وأدرك جونسون أنه لم يعد من سبيل إلا بإسقاط عبد الناصر و نظامه، ولكن لم يكن من الممكن لأمريكا أن تفعل ذلك بصورة مباشرة فتخسر العالم العربي كله للأبد، وتعرض مصالحها وأصدقاءها في المنطقة للخطر، و في 1967 وفي مقابل أن تقوم إسرائيل بإسقاط نظام عبد الناصر، تعهدت أمريكا أن تحافظ على تفوق إسرائيل عسكرياً على الدول العربية مجتمعة، كما وعد الأمريكان إسرائيل بأنه في حالة نشوب حرب لن تقوم أمريكا بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي العربية التي تحتلها أثناء القتال مثلما فعل أيزنهاور في 1956، بل وأن أمريكا لن تسمح بلوم إسرائيل في الأمم المتحدة. و منذ ذلك الحين و حتى اليوم تستخدم أمريكا الفيتو ضد أي قرار من مجلس الأمن ضد إسرائيل أو يدينها. و لعبت أمريكا دوراً هاماً في خداع عبد الناصر قبل الحرب مباشرة، بل و استغلت يوثانت السكرتير العام للأمم المتحدة في حبك المسرحية الخداعية، وعقب النكسة اتهم عبد الناصر جونسون بالتواطؤ مع إسرائيل في عدوانها، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع أمريكا و أمر بترحيل جميع الأمريكيين عن مصر. وأدرك عبد الناصر أنه كان المقصود بصورة شخصية في عدوان يونيو 67، فكان قرار التنحي و تولية زكريا محيي الدين الذي ظن أنه سوف يكون أفضل منه في قدرته على التفاهم مع الأمريكان، وقال: "كانت حجتهم دائماً هي جمال عبد الناصر ... هو الذي يثير المتاعب لهم و لأصدقائهم. جونسون كان يقول ذلك." و لكن الجماهير خرجت وأصرت على بقاء ناصر، فلم يتحقق الهدف الرئيسي غير المعلن من العدوان، ولكن خسارة مصر و العرب والقضية الفلسطينية كانت فادحة. ودراسة المساعدات الأمريكية لإسرائيل يمدنا بمؤشر لحسن العلاقة بين مصر و أمريكا: فبين 1955 و 1965 كان مجموع المساعدات الاقتصادية و العسكرية يتراوح بين 40 و 80 مليون دولار سنوياً، و كانت المساعدات العسكرية شبه منعدمة حتى عام 1961، ولم تزد على 13 مليون دولار حتى 1965، و في 1966 (وهو العام الذي يعد بداية يأس جونسون من إصلاح الأوضاع مع عبد الناصر) فقد قفزت المساعدات العسكرية لتصبح 90 مليون دولار بعد أن كانت 12 مليون دولار في السنة السابقة، أي بزيادة 550%!! أما مجموع المساعدات العسكرية والاقتصادية في ذلك العام فقد قفز إلى 126 مليون دولار في مقابل 61 مليون دولار في عام 1965، أي بزيادة 100%! ويبدو أنه في 1966 يئس جونسون تماماً من إمكانية إصلاح العلاقة مع عبد الناصر "فتعاقد Put a contract on Nasser" مع إسرائيل لتقوم بإسقاط نظام عبد الناصر، وكانت مضاعفة المساعدات الأمريكية لإسرائيل في ذلك العام هو "المقدم أو العربون" الذي سدده لإسرائيل، إضافة لوعوده الدبلوماسية غير المعلنة، و الأراضي العربية التي سوف تسلبها إسرائيل خلال الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، أما "المؤخر" فقد سددته أمريكا لإسرائيل بعد وفاة عبد الناصر، ولم تقم بسداده بعد عدوان 1967 مباشرة ربما ذراً للرماد في عيون العرب، وربما لعدم تحقق الهدف من العدوان و هو إسقاط عبد الناصر و نظامه، فقد كان تقدير أمريكا أن الجماهير سوف تطيح بعبد الناصر عندما تعلم -وسوف تعلم حتماً- بحقيقة ما حدث، ولكن الجماهير العربية خيبت آمال الأمريكان ووقفت خلف عبد الناصر بعد النكسة و رفضت تنحيه، و علقت الصحف الغربية على الحماس الذي استقبلت به الجماهير في السودان عبد الناصر أثناء مؤتمر الخرطوم بعد النكسة بشهور بقولها "الجماهير تهتف للقائد المهزوم"، ولكن الغرب لم يفهم أبداً عقلية المواطن العربي. ومن الغريب أن معدل المساعدات الأمريكية لإسرائيل حدث له طفرة أخرى بعد رحيل عبد الناصر مباشرة فقد قفزت المساعدات في 1971 إلى 600 مليون دولار في مقابل 71 مليون دولار في عام 1970، أي بزيادة 750% أما المساعدات العسكرية فقد قفزت لتصبح 545 مليون دولار بعد أن كانت 20 مليون دولار في السنة السابقة، أي بزيادة 2600% !! ولعل أمريكا أحست بأن عدوان 1967 قد أتى أخيراً بنتيجته المخططة ألا وهي القضاء على عبد الناصر فأرادت مكافأة إسرائيل بسداد "المؤخر"! و الاحتمال الآخر هو أن أمريكا بعد وفاة عبد الناصر لم تعد تخشى أحداً، و لم تعد تهتم برد فعل العرب عندما يرونها تدعم إسرائيل بصورة فاضحة، و للإنصاف فقد انخفضت المساعدات الأمريكية لإسرائيل بنسبة الثلث في 1955 (فور تولي عبد الناصر الحكم) من 74 مليون دولار في 1954 إلى 52 مليون دولار في 1955، و الواضح أن أمريكا كانت دائماً تحسب لعبد الناصر وزناً كبيراً و كانت تتردد تماماً -أثناء حياته- قبل القيام بعمل يمكن أن يستغله عبد الناصر لتعبئة الجماهير ضدها وضد أصدقائها من الحكام في المنطقة، و بعد أن توفي انفلتت أمريكا و وصلت مساعداتها لإسرائيل لأرقام فلكية، ففي 1974 وصلت المساعدات إلى 2570 مليون دولار بالمقارنة بـ 37 مليون دولار في 1964 - أي قبل عشر سنوات فقط، أي بمعدل أن كل مواطن أمريكي كان يدفع سنوياً 10 دولارات لإسرائيل بينما كان نصيب كل أسرة إسرائيلية الحصول على 4000 دولار سنوياً من أمريكا، و هو ما كان يعادل تقريباً الدخل السنوي للفرد في اليابان في تلك الفترة!! مبادرة روجرز مبادرة روجرز - أسس السلام الأمريكي وبعد النكسة، ظلت العلاقات بين عبد الناصر وأمريكا سيئة، واستغلت إسرائيل الفرصة في دعم موقفها كشريك أمريكا الرئيسي في المنطقة، والحصول على سيل لا ينقطع من المساعدات الرسمية وغير الرسمية، المعلنة والخفية، وعلى أحدث ما في الترسانة الأمريكية من أسلحة. وفي 1969، بدا أن الوقت قد حان لتضع أمريكا خطة السلام بالشروط التي تراها، وفي 9 ديسمبر 1969 أطلق وزير الخارجية الأمريكي " وليم روجرز " ما اصطلح على تسميته "مبادرة روجرز" ،حيث أعلن أن السياسة الأمريكية تعتمد على تشجيع العرب على قبول سلام دائم يقوم على اتفاق ملزم مع إسرائيل من ناحية، وعلى حث إسرائيل في المقابل على الانسحاب من الأراضي المحتلة عند ضمانها لسلامتها من الناحية الأخرى. وقد قبل عبد الناصر بمبادرة روجرز حتى يعطي للقوات المسلحة فرصة بناء حائط صواريخ متطور يحد من فاعلية الطيران الإسرائيلي، و ليعطي لمصر فرصة فتح جسور جديدة مع الولايات المتحدة أملاً في أن تتوقف عن دعم إسرائيل بأحدث ما في ترسانتها من أسلحة. وقد أوضح عبد الناصر أن قبوله للمبادرة جاء "لأن هذه أول مرة تتحرك فيها الولايات المتحدة جدياً تحت ضغط أوضاع متغيرة في الجبهة، وأيضا أول مرة ترد كلمة "الانسحاب" صريحة في وثيقة أمريكية. وظهر أمل في تحسن العلاقات المصرية الأمريكية، ولكن عبد الناصر رحل عن العالم بعد عدة أسابيع. وعندما أمر السادات بترحيل الخبراء الروس، اندهشت أمريكا لأنه لم يطلب ثمناً لذلك، ولكن السادات أراد أن يكون قراره مصرياً صرفاً. وبعد ساعات قليلة من اندلاع حرب 1973 ، هرعت إسرائيل لأمريكا لتعوضها عن خسائرها الفادحة، وبدأ الجسر الجوي الأمريكي يمد إسرائيل بسيل من الأسلحة والمعدات والمؤن، وجاء كيسنجر إلى المنطقة في رحلات مكوكية بهدف بدء مفاوضات وقف إطلاق النار، وبدأ السادات في التعامل مع أمريكا كشريك أساسي في عملية السلام، وكطرف يمسك في يده بمعظم أوراق اللعبة. ودخلت العلاقات المصرية الأمريكية في منعطف جديد. |
هل يمكن لأمريكا أن تكون راعي السلام وهل يمكن أن يكون موقفها غير منحازاً لإسرائيل ؟
انحرفت القضية عندما وضع السادات 99% من الأوراق في يد أمريكا اسرائيل رأس حربة الأمبريالية في المنطقة العربية وهي تنفذ تماماً سياسات أمريكا رأس الأمبريالية العالمية
قرار اقامة دولة غريبة في فلسطين تفصل مشرق الوطن العربي عن مغربة أخذه الاستعمار العالمي ممثلاً بفرنسا وبريطانيا بعد ضرب جيش ابراهيم باشا وفرض القيود السياسية والاقتصادية على محمد علي في مصر منعاً للتقدم الذي صبا اليه محمد علي ومنعاً للوحدة العربية التي صبا اليها ابراهيم باشا عندما امتد بجيوشه لفتح المشرق العربي والحجاز وضمهم في دولة واحدة
لايمكن لأمريكا أن تسمح بقيام دولة عربية قوية متحررة في المنطقة العربية
صراعنا مع الصهيونية صراع وجود لاصراع حدود وعبد الناصر يعتبره صراعاً حضارياً يتفوق فيه الأكثر تقدماً لذلك توجه منذ البداية لتحديث مصر وتصنيعها
الناصرية لاتقبل بأي من حلول التسوية مع الصهيونية والهدف الأستراتيجي تحرير
التراب الفلسطيني كاملاً من النهر إلى البحر |